المدينة تُستبعد من فرحة وطنية، والمقاهي تستغل الوضع بدون حسيب ولا رقيب
بينما اختارت مدن مغربية عديدة أن تتقاسم فرحة كرة القدم مع ساكنتها عبر شاشات عملاقة في الساحات العمومية، اختارت مدينة ابن سليمان طريقًا آخر، جعل الفرجة امتيازًا لا حقًا، وحوّل لحظة وطنية جامعة إلى مصدر غضب واستياء.
ففي مدينة معروفة بشغفها الكروي، تم الاكتفاء بتلفاز صغير لا يصلح إلا للاستعمال المنزلي، وُضع داخل قاعة بدار الشباب، بعدد مقاعد لا يتجاوز 100، وكأن الحديث عن حيّ صغير لا عن مدينة كاملة.
والأدهى من ذلك، أن من أراد متابعة مباراة مبرمجة على الساعة الخامسة مساءً، كان عليه الحضور منذ العاشرة صباحًا، في مشهد لا يليق لا بالحدث ولا بالمواطن.
المفارقة الصارخة، والتي لا يمكن تجاهلها، أن المدينة نفسها حين يتعلق الأمر بسهرات أو حفلات عمومية، تُنصَّب لها منصات كبيرة، وتُوفَّر الإضاءة والتجهيزات الصوتية، ويُخصَّص فضاء واسع لاستقبال الجمهور وتنظيم الحضور بكل أريحية.
أما حين يتعلق الأمر بـعرس كروي وطني يعيشه المغرب من طنجة إلى الكويرة، فقد جرى اختزاله في قاعة مغلقة داخل دار الشباب، وكأن الحدث لا يستحق نفس الاهتمام ولا نفس الجهد التنظيمي.
هذا الوضع دفع غالبية الساكنة إلى البحث عن بديل، فكان الملجأ الوحيد هو المقاهي، غير أن المواطن اصطدم بواقع أكثر قسوة، تمثل في استغلال واضح لهذه الفرصة من طرف بعض أرباب المقاهي، حيث تم رفع الأسعار بشكل غير مسبوق، دون أي إعلان مسبق أو سند قانوني، وفي غياب تام للمراقبة، وكأن الأمر يتم لا حسيب ولا رقيب ، 50 درهمًا لفنجان قهوة سوداء، وقد تصل الفاتورة إلى 200 درهم وأكثر لمن أراد طلبًا بسيطًا، أرقام تطرح تساؤلات جدية حول دور الجهات المختصة في حماية المستهلك، ومراقبة احترام الأسعار، خاصة في مناسبات تعرف إقبالًا استثنائيًا.
هنا لا نتحدث عن تفاصيل تقنية، ولا عن إمكانيات محدودة، بل عن اختيارات وغياب مواكبة
اختيارات أفرغت الفرحة من معناها، ورسّخت شعورًا بأن المواطن آخر من يُفكَّر فيه، وأن الفرجة حين تُغلق في الفضاء العمومي، تُفتح أبواب الاستغلال في الفضاءات الخاصة.
قد يقول قائل إن المسؤولية موزعة، وإن الأسعار من اختصاص أرباب المقاهي، وإن التلفاز “أفضل من لا شيء”.
لكن الواقع يقول شيئًا واحدًا:
ابن سليمان كانت حاضرة جسديًا وغائبة فعليًا عن الحدث
أمام هذا الوضع، تتساءل الساكنة
لماذا تُوفَّر الإمكانيات حين يتعلق الأمر بسهرات فنية، ويُقتصد فيها حين يكون الحدث وطنيًا جامعًا؟
وعلى أي أساس تم التقليل من حجم الإقبال والشغف الكروي؟
وأين هي مصالح المراقبة حين تتحوّل المقاهي إلى فضاءات استغلال دون ضوابط؟
إننا ندعو السلطات المحلية والمنتخبة إلى الخروج عن صمتها، وتقديم توضيحات للرأي العام، مع مراجعة عاجلة لطريقة تدبير الفضاءات العمومية خلال التظاهرات الوطنية، وتفعيل مراقبة حقيقية لأسعار المقاهي حمايةً للمستهلك، وضمانًا لفرجة لا تُكلّف المواطن كرامته ولا قدرته الشرائية.
مدينة ابن سليمان لا تحتاج قرارات صغيرة ولا مقاربات محتشمة، بل تحتاج مسؤولين بحجم مدينة، يدركون أن حين تُغلق الساحات، تُفتح أبواب الاحتقان… وحين يغيب الرقيب، يحضر الاستغلال.


